الثلاثاء 08 رمضان 1442 - 20 أبريل 2021 , آخر تحديث : 2021-04-14 14:43:41 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

منابر دمشق

تاريخ النشر 2016-12-04 الساعة 11:52:19
أسباب زيادة النعمة
الدكتور الشيخ محمد خير الشعال

 

 

قال الله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}لبقرة: 152، 153]

وقال سبحانه: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7].

عنوان خطبة اليوم: أسباب زيادة النعمة

أيها الإخوة:

بالأمس كنا نسأل اللهَ الغيثَ والسقيا، واليوم أجابنا؛ فأحيا أرضنا، وسقى زرعنا، وملأ أنهارنا، وأغاث بلادنا؛ اللهم فلك الحمد.

اللهم زدنا ولا تنقصنا، واجعلها سقيا رحمة وثَنِّي علينا فيها بالفرج.

وجدتُ أسبابَ زيادة النعمة في القرآن الكريم ثلاثة: الشكر والإحسان والتوبة.

وهذه الثلاثة هي مادة خطبة اليوم

- أما الشكر؛ فدليل زيادته للنعمة قوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم:7] جاء في تفسيرها: (وإذ أقسم ربكم، لئن شكرتم لأزيدنَّكم من فضلي).

وقال الإمام جعفر الصادق: (إذا أَتْبَعْتَ النِّعمةَ الشُّكرَ فتأَهَّبْ للمزيد).

وسُئل بعضُ الصالحين عن الشُّكر لله تعالى فقال: (أن لا تتقوَّى بنعمِهِ على معاصيه).

وقال الإمامُ القرطبيُّ: (حقيقةُ الشُّكر الاعترافُ بالنِّعمة للمنعم، وألَّا يصرفها العبد في غير طاعته).

أنشد الهادي وهو يأكل:

أَنَالَكَ رزقَهُ لِتَقومَ فيه

بطاعتِهِ وتشكُرَ بعضَ حقِّه

فلم تَشكُرْ لنعمتِهِ ولكنْ

قَويتَ على معاصيهِ برزقه

فغَصَّ باللُّقمة وخنقتْهُ العَبرةُ.

قال أحد الصَّالحين: (إذا أردتَ أن تعصيَه فلا تأكلْ من رزقه، ولا تسكنْ في أرضه)

أمّا أن تأكل من رزقه، وتسكنَ في أرضه، وتطلبَ إنعامه وأمطاره، فيرزقَكَ، ثمَّ

تتقوَّى على المعصية بهذه النِّعم! فبئس العبدُ أنت.

قال العلماء: شكر العبد لنعم الله تعالى يكون بثلاثة أمورٍ: شكرٌ بالقلب، وشكرٌ باللِّسان، وشكرٌ بالجوارح.

الشُّكر قيدٌ للنِّعم

مستوجب دفع النِّقم

وهو على ثلاثة:

قلبٌ يدٌ فاعلم وفم

فأمَّا شكرُ القلب: فأن تُحِبَّ سيِّدَكَ الذي أنعمَ عليك، وأن تُقِرَّ في نفسك أنَّ النِّعمة

محض فضلٍ منه.

أرأيت لو أن جرّاحاً أجرى لك عمليةً ناجحةً استعدْتَ بها نشاطَكَ وقوتَكَ، كيف تكون

محبتُكَ لهذا الطَّبيب؟ فكيف بالذي أعطاك قلبَكَ كلَّه، وأعطاك جسمَكَ كلَّه، وأعطاك حواسّك كلَّها، وسلَّمها لك أصلاً وعافاك، وأعطاك وأعطاك؟!

فشكرُ القلب: أن يمتلِئَ قلبُك حُباً لسيِّدك، وشكرُ اللِّسان: أن تحمدَه وتشكرَه وتُثني

عليه وتعترف بجميله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا»[مسلم].

في المكتبة الإسلامية كتاب اسمه "جامع الثَّناء على الله" كلُّه حمدٌ وثناءٌ وشكرٌ لله تعالى، جاء في مائتين وسبع وثمانين صحيفة، قال مؤلِّفه في مقدمته:

(خطر لي أن أجمع كتاباً حافلاً بآيات القرآن الكريم، والأحاديث النَّبوية الشَّريفة،

وكلام العارفين نظماً ونثراً في مدح الله عزَّ وجلَّ وحمده وشكره والثَّناء عليه، فبلغَتِ الأحاديثُ أكثر من عشرة آلاف حديث، وبلغَتِ الآياتُ قريباً من سُدس القرآن الكريم، فعَلِمتُ أنَّ الأمرَ يحتاج إلى مجلداتٍ عِدَّةٍ، فاختصرتُ الأمر في هذا الكتاب).

واعلم أنَّ شكر الله على الجوارح استخدُامها في طاعته، وصرفُها عن معاصيه، قال الله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ:13].

قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: (إنَّ أقلَّ ما يجب للمنعم على مَن أنعم عليه ألا يجعل ما أنعم عليه سبيلاً إلى معصيته).

فإذا أردتُم أن تزدادوا مِن نعم الله تعالى فعليكم بالشُّكر -بالقلب واللِّسان والجوارح-.

- هذا عن الشكر سبب زيادة النعم، أما الإحسان فهو سببٌ ثانٍ لزيادة النعم والدليل على ذلك قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس:26] وقوله سبحانه: {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:58] وقال الله تعالى: {وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا} [الشُّورى:23].

والإحسان يكون إلى نفسك، وإلى الخَلْق.

فالإحسان إلى نفسك بفعل الطَّاعات وترك الموبقات، والإحسان إلى الخَلْق بإعانتهم وقضاء حوائجهم، والعفو عن إساءاتهم.

أخرج الطبراني بإسناده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ للهِ عِبَادَاً اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ العِبَادِ، يُقِرُّهُم فِيْهَا مَا بَذَلُوْهَا، فَإِذَا مَنَعُوْهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِم»

وأخرج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ للهِ عَزَّ وَجَلَّ خَلْقَاً خَلَقَهُمْ لِحَوَائِجِ النَّاْسِ، يَفْزَعُ النَّاسُ إِلَيْهِمْ فِيْ حَوَائِجِهِمْ، أُولَئِكَ الآمِنُوْنَ مِنْ عَذَابِ اللهِ».

فإذا أردتَ أن تزداد من نِعم الله تعالى فعليك بالشُّكر وعليك بالإحسان.

- أما التوبة والاستغفار فهما سببٌ من أسباب هطول الغيث، والإكثار منهما سببٌ في الإكثار من الغيث، ودليل ذلك قوله تعالى على لسان سيِّدنا نوح عليه السلام: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماء عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود:52].

قال القرطبي في تفسيره: ( {مِدْرَارًا}: فيه معنى التَّكثير، أيّ: يرسل السَّماء بالمطر متتابعاً، يتلو بعضه بعضاً، وفي تفسير: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} يزدكم خصباً على خصبكم).

فزيادة الاستغفار زيادةٌ في العطاء، وتتابع التوبة من العبد تتابع النعم من الله.

هذه أسباب زيادة النعمة في القرآن؛ الشُّكر، والإحسان، والإكثار من الاستغفار والتَّوبة. والله أعلم.

والحمد لله رب العالمين

 

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 1324
تحميل ملفات
فيديو مصور