الثلاثاء 08 رمضان 1442 - 20 أبريل 2021 , آخر تحديث : 2021-04-14 14:43:41 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

منابر دمشق

تاريخ النشر 2016-10-18 الساعة 09:21:05
التربية بالحب
الدكتور الشيخ محمد خير الشعال

قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ

وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 6]

قال سيدنا عليّ رضي الله عنه: قوا أهليكم نَارًا علّموهم وأدّبوهم.

أخرج الترمذي بإسناد مرسل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا نَحَلَ وَالِدٌ

وَلَدًا أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ»

أيها الإخوة:

  الحياة الزوجية محرابٌ من محاريبِ العبادة، وتربيةُ الأبناء بابٌ من أبواب القرب

 إلى الله تعالى، ولهذا جاءتْ سلسلةُ – تربية الأبناء - لعلّنا نفيدُ منها جميعاً في زيادة قربنا إلى الله ببرّنا بأبنائنا ورعايتنا لهم. 

  وقد وصلْنا لخاتمة السلسلة بعد أنْ تكلّمنا عن ثماني مقدماتٍ مهمةٍ في التربية،

  وثمانيةِ مراحلَ عمريةً للأبناء من السنة الأولى وحتى الرابعة والعشرين، جعلْنا كلَّ ثلاث سنوات مرحلة، وتحدّثنا في كل مرحلة عن ثلاثة أمور؛ أهم الاحتياجات، وأهم المخاطر، وأهم ما يمكن غرسه تربوياً.

وفي خاتمة السلسلة أستطيعُ القولَ إنّ كلماتِ السرِّ الأربع في صلاح الأبناء وتربيتهم هي:

اللجأُ إلى الله، والحب، والقدوة الحسنة، والصحبة الصالحة.

   ولئن كانتِ الأسرةُ بالأمس تُعنى بالتربية؛ فإنّه مطلوبٌ منها اليوم زيادةُ عنايةٍ

بالتربية 

  أمام هذه المغريات والمضلات التي تحيطُ بشبابنا وبناتنا، خصوصاً وأنّ الحربَ

المعلنة والقادمة هي حربٌ على الأسرة بكل مكوناتها.

   حربٌ تأخذُ المرأةَ وحدَها بعيداً عن أمومتِها وبُنُوَتِها وأُخُوَتِها وزوجيّتها، وتتفردُ

  بالطفل وحده منفصلاً عن والديه وإخوته ومعلميه ومؤدبيه، وتبتدعُ علاقاتٍ آثمةً بين 

  الرجال والنساء؛ لتسميها زواجاً بعيداً عن الزواج الشرعي، تحت شعار حقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق الإنسان والحرية..! 

   لقد بات لِزاماً على كل من يمضي نحو الزواج أنْ يتدربَ على تربية الأبناء، وماذا 

  عليه لو خضعَ لدورة تأهيلية للحياة الزوجية، ودورة تأهيلية في تربية الأبناء ونحوهما؛ لأنّ المرءَ لا يولدُ عالماً.

   ولئنْ كنّا نعقدُ بشكلٍ متكررٍ دوراتٍ تأهيليةً للحياة الزوجية؛ فلعلّنا في قادماتِ الأيام نعلنُ عن دوراتٍ في تربية الأبناء؛ لتكونَ قربة إلى الله تعالى بحماية أُسرنا.

ولأنّ كلماتِ السرّ الأربعَ في التربية هي: الحب والقدوة الحسنة والصحبة الصالحة واللجأ إلى الله تعالى.

  فاسمحوا لي أنْ أختمَ اليوم بحديثٍ عن التربية بالحب، وأختمُ في خطبة الأسبوع

القادم بحديثٍ عن اللجأ إلى الله تعالى.

عنوان خطبة اليوم: (التربية بالحب)

اشترى حكيمُ بنَ حزامِ زيدَ بنَ حارثةَ لعمّتِه خديجةَ بنتِ خويلد، فلمّا تزوجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بخديجةَ وهبتْه له؛ فتبنَّاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وكان يحبُّه

   ويرفقُ به ويتلطف، ويقول: «لقد كان أحبَّ الناس إليّ» ولقّبه المسلمون "حِبّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم" أي: محبوبه.

وفي يومٍ خرج أبو زيدٍ وعمُّه لفدائه، فلمّا وصلا مكة سألا عن النبي صلى الله عليه

  وسلم، وذهبا إليه وخاطباه: يا ابنَ عبد المطلب، ويا ابنَ سيّد قومه، أنتم أهلُ حرمِ الله وجيرانهُ، تفكون الأسيرَ، وتطعمون الجائعَ، وتغيثون الملهوفَ، وقد جئناك في ابنٍ لنا عندك، فامنن علينا بفدائه، فإنا سندفع لك في الفداء ما تشاء.

فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ومن هو؟ قالا: زيد بن حارثة، فقال صلى الله عليه وسلم: فهلّا غير ذلك؟

قالا: وما هو؟

قال: أدعوه فأخيّره، فإنْ اختارَكم فهو لكم من دون فداء، وإنْ اختارني فما أنا بالذي أختار على مَنْ يختارني أحداً، فقالا: قد زدتنا على النَصَف وأحسنت.

فدعاه وقال له: هل تعرف هؤلاء؟

 قال: نعم، هذا أبي، وهذا عمي

فقال لزيد: فأنا من قد علمتُ، فاخترني أو اخترهما  

فقال زيد: ما أنا بالذي يختار عليك أحداً، أنت مني مكان الأب والعم...!

وعن معاذ بنَ جبل رضي الله عنه أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال:

  «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» [أبو داود]

أيها الإخوة:

 التربيةُ بالحب أعلى مرتبةً، وأمضى أثراً، وأحسنُ نتيجةً من سائر أنواع التربية وألوانها.

 ومَنْ مارسَ مع أبنائه وتلامذته التربيةَ بالحب؛ حَصَدَ فيهم الرحمةَ واللطفَ والحبَ والعطفَ والإحسانَ إلى الآخرين، والتسابقَ إلى المعالي.

ومَنْ مارسَ معهم التربيةَ بالقهر والعنف، حصدَ فيهم الحقدَ والحسدَ، والبغضَ والغلَّ، والنقمةَ على الآخرين.

ويؤكدُ دارسو علمِ النفس أنّ الحاجةَ إلى الحب واحدةٌ من الحاجات النفسية للإنسان، ويتركُ عدمُ إشباعها أثراً خطيراً في شخصية المرء، يظهرُ في سلوكه وتصرفاته.

  أُجريتْ في عام 2000 دراسةٌ على مراكز الأحداث الجانحين في بلد أوربي، فوجدت

  أن 48 % من الأحداث الذكور، و64% من الإناث كانوا ينتمون، وكنَّ تنتمين إلى أسرٍ مفككة، فقدوا فيها إشباعَ الحاجة إلى الحب.

  إنّ المربيَّ الناجحَ، والأبَ الناجحَ، والأمَ الناجحةَ، والمعلمَ الناجحَ هو الذي يروّي

حاجةَ ابنه أو تلميذه للحب، مقتدياً بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المربي.

أما كيف تروي حاجة ابنك للحب؟

  فقد ذكر الدكتور ميسرة طاهر المتخصص في الصحة النفسية والعلاج النفسي أنّ

   وسائلَ التربية هي: (كلمة الحب، نظرة الحب، ابتسامة الحب، لقمة الحب، لمسة الحب، دثار الحب، ضمة الحب، قبلة الحب).

الوسيلة الأولى: كلمة الحب:

 قلْ لابنك : إنّك تحبّه، وقلْ مثلَ ذلك لابنتك؛ إنّ المرءَ يُحِبُّ أنْ يُحِبَّ، ويُحِبّ أن يُحَبّ،

   ويحبّ الابنُ أنْ يسمعَ من والديه هذه الكلمة "إنهما يحبانه"، بل إنّ المرء عموماً

  يحب أن يكون محبوباً بين الناس، والنبيّ صلى الله عليه وسلم علَّمنا أن يخبرَ أحدُنا أخاه أنّه يحبه إذا أحبه، فقال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ» [الترمذي]

  و كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول في حضرة ابنته فاطمة وغَيْبَتها: «أحب أهلي

  إليّ فاطمة».

  ويقول عن سبطيه الحسنِ والحسين: «هما ريحانتاي من الدنيا» [البخاري] ويقول لأبناء الأنصار وبناتهم الصغار: «اللهم أنتم من أحب الناس إليّ، اللهم أنتم من أحب الناس إليّ».

الوسيلة الثانية والثالثة: نظرة الحب، وابتسامة الحب:

  انظر بين الفينة والأخرى إلى عيني ابنك مع ابتسامةً خفيفةً، وتمتم بصوتٍ غير

  مسموع بكلمة: (أحبك يا ولدي) ثلاث مرات، فإذا سألك ماذا تريد يا أبي؟ فقل:

اشتقتُ لك.

   إنّ لهذه النظرة وهذه الابتسامة أثراً كبيراً في زرع الحب في قلب ولدك، وقد قالوا

عن الابتسامة: إنها لغةٌ لا تحتاج إلى ترجمة.

الوسيلة الرابعة: لقمة الحب:

 اجلس مع أبنائك على مائدة الطعام، والأفضل بعيداً عن جهاز التلفاز، ليحدّثَ كلٌ منكم الآخر، وليسمع كلٌ منكم الآخر، وقَدِّم لهم بين المرة والمرة لقمة طعامٍ تضعها في فم

   ابنك أو ابنتك أو زوجك، قال صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ

حَتَّى فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِهِ» [أحمد]

الوسيلة الخامسة: لمسة الحب :

  نصحَ أحدُ المربين الآباء والأمهات أنْ لا يحدثوا أبنائَهم وهما على كراسي متقابلة،

   بل الأفضل أنْ تكونَ بجانب ابنك أو ابنتك، وأنْ تضعَ يدك على كتف ابنك، أو أنْ تضعَ بطنَ كفك على ظهر كفه، وبمجرد هذا اللمس ينتقل إحساس بالود والحب بين الأب وابنه، أو الأم وولدها.

عن عبد الله ابْنَ مَسْعُودٍ قال: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ» [البخاري].

  وعن حنظلةَ بنَ حِذْيَم قال: «وفدت مع جدي حذيم إلى رسول الله صلى الله عليه

وسلم فأدناني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح رأسي وقال: بارك الله فيك» [الطبراني في الأوسط].

الوسيلة السادسة: دثار الحب:

إذا نام الابنُ فتعال إليه وقبلّه وغَطِه (دَثِّره) بلحافه.

الوسيلة السابعة: ضمة الحب:

عن جابر رضي الله عنه قال: «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر قدم جعفر رضي الله عنه من الحبشة تلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل جبهته ثم قال: والله ما أدري بأيّهما أنا أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر» [الحاكم].

وعن يعلى بن مرة قال: «لقي النبي صلى الله عليه وسلم الحسين فبسط له يده، ثم اعتنقه فقبله، ثم قال: حسين مني وأنا منه، أحب الله من أحبه» [أحمد].

   وبين معترضتين - منذ متى لم تضمْ ابنَك إليك؟ ومنذ متى لم تضمين ابنتكِ إليك؟ - ، إنّ الابنَ يحنّ إلى صدر أبيه وأمه، ويجد عندهما أماناً ومَسكَنَاً.

الوسيلة الثامنة الأخيرة: قبلة الحب:

  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: «أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ أَبْصَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ الْحَسَنَ فَقَالَ:إِنَّ لِي عَشْرَةً مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:إِنَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ» [مسلم].

  وجَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ» [البخاري].

أيها الإخوة:

 هذه ثمانيةٌ من وسائل التربية بالحب، والباب مفتوحٌ أمام المربين ليأخذوا بأيدي

 من يقومون بتربيتهم نحو السعادة والعلا، بالحب لا بالبغض، وباللطف لا بالعنف، مقتدين بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

 قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسؤْولٌ عن رَعِيَّتِهِ، فالإمامُ رَاعٍ،

   ومَسْؤولٌ عَن رَعِيَّتِهِ، والرجلُ رَاعٍ في أهله، وهو مَسؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمرأَةُ في

  بَيْتِ زَوجِها رَاعيةٌ، وهي مَسؤولَةٌ عن رَعيَّتِها،....الرجلُ في مالِ أبيهِ راعٍ، ومَسْؤولٌ عن رعيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وكُلُّكُم مَسؤولٌ عن رعيَّتِهِ» [البخاري ومسلم].

والحمد لله رب العالمين

 

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 914
تحميل ملفات
فيديو مصور