الأربعاء 23 صفر 1441 - 23 أكتوبر 2019 , آخر تحديث : 2019-09-10 12:17:26 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

خطب الجامع الأموي

تاريخ النشر 2018-07-01 الساعة 08:23:23
الخُلُق الحَسَن .. السحر الذي يجذب الأفئدة
فضيلة الشيخ مأمون رحمة

بتاريخ: 15 من شوال 1439 هـ - 29 من حزيران 2018 م

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك على نور الهدى محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الصحابة ومن اهتدى بهديهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين.

عباد الله، أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله عز وجل، واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين.

يقول المولى في محكم التنزيل: )لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّـهَ كَثِيرًا ([الأحزاب: 21].

ورد في الحديث الصحيح أنَّ السيدة عائشة رضي الله عنها سُئلت عن خُلق رسول الله فقالت: (كان خُلُقُه القُرآن).

معاشر السادة: إنَّ صَلاح المؤمن هو أبلغ خُطبة تدعو الناس إلى الإيمان، وخُلقه الفاضل هو السِّحر الذي يَجذب إليه الأفئدة ويجمع عليه القلوب، أَتظن جمال البَاطن أضعف أثراً مِن وَسامة الملامح؟! لا، إنَّ طَبيعة البشر أنها تُحب الحسن وتَلتفت إليه، وأصحاب القلوب الكبيرة الذين يَتصفون بالأخلاق الفاضلة لهم مِن شَرف السيرة وجَلال الشَّمائل ما يَبعث على الإعجاب بهم والركون إليهم، ومِن ثم فإنَّ الدَّاعية النَّاجح هو الذي يَهدي إلى الحق بعمله وحاله، لأنَّه مِثل حَي للمبادئ والفضائل التي يعتنقها، وقد شكى الناس قديماً وحديثاً مِن دُعاة يُحسنون القول ويُسيؤون العمل، ومِن هُنا كان تَقريع الشَّاعر أبي الأسود الدؤلي أليماً في المعلم الذي يُخالف فِعله قوله حيث قال:

يا أيها الرجل المعلم غيره *** هَلَّا لِنفسك كان ذا التعليم

ابدأ بنفسك فانهها عن غَيِّها *** فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

لا تنه عن خلق وتأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم

والواقع أنَّ تَوبيخ القرآن لهؤلاء المزورين قد سبق شِكاية الناس، لأن تناقض قولهم وفعلهم أمر مرفوض يمس قضايا الإيمان ويُصيبها في الصَّميم، حيث قال سبحانه )أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ( [البقرة: 44]، ولا يَكفي لِكي يَكون المرء قُدوة أن يَتظاهر بالصَّالحات أو يتجمل للعيون الناظرة، فإنَّ التَّزوير لا يَصلح في ميادين الدِّين والحياة، فلا بُدَّ أن يَنكشف المخبوء
على طول المعاملة وامتداد الزَّمن وتمحيص الأحداث، وسرعان ما يبدو مَعدن النَّفس على صُورته الحقيقية، ويؤكد هذه الحقيقة قول الشاعر زهير بن أبي سلمى عندما قال:

ومهما تكن عند امرئ مِن خَليقة *** وإن خَالها تخفى على الناس تُعلَمِ

والمصيبة الطَّامة أن بعض المتدينين يَحسبون أن تمثيل دور الإيمان لا يحتاج إلا إلى شيء مِن التَّكلف والتَّصنع، كما أنَّ بَعض المتهاونين يَحسبون أنَّ لِباس التَّقوى يُمكن نَسجه بِشيء مِن إتقان الرُّسوم والهمهمة، وهذا ضَلال بَعيد، فالأمر أخطر مما يَظنون.

إنَّ التَّدين الحقيقي صُورة لجوهر النَّفس بعدما استكانت لله ونزلت على أمره، واصطبغت بالفضائل التي شرعها، وترفعت عن الرذائل التي حرمها، واستقامت على ذلك استقامة تامة، هذا التدين وحده هو الذي تلتمس منه الأسوة ويقتبس منه الهدى، ويؤسفنا أن نقول: إنَّ هذا الضَّرب مِن التَّدين العالي نادر الآن، وإن أشعة الكمال المنبعثة مِن وَهجه لا تكاد تُرى.

إنَّ هذا الدِّين نكب بأقوام كثيرين تَظاهروا بالإيمان والتقوى والصَّلاح، فكانوا سبباً في شُيوع الفوضى والفساد وانتشار المعصية والعدوان، فَهُم حَمَلوا اسم الدين لكنهم لم يَصطبغوا به ولم يتشربوا روحه.

إنَّ الدَّعوة إلى الإسلام تَكون أولاً بعرض ثماره في الأخلاق والأحوال، أعني ثماره في أتباعه المؤمنين به، وعندئذ تُرجى الإجابة ويُرتقب الاهتداء، ولو نظرنا إلى أسباب انتشار الإسلام أيام السَّلف الصَّالح لوجدنا أنَّ الباعث الأعظم على دخول الناس في دين الله أفواجاً وقبولهم عن طيب خَاطر الانضواء تحت راية الإسلام هي القدوة الحسنة التي كان يتمتع بها أولئك الرَّعيل، فإنَّ هذه القدوة الحسنة هي التي جعلت النَّاس يَعتنقون الإسلام عن حُبٍّ وثِقة وإيمان وعقيدة، وحِين نُتابع أوصاف المسلمين الفَاتحين كما شَرحها بعض المنصفين مِن المستشرقين، نَجد أنَّ الجماهير الغَفيرة رَمَقَت حَملة العقيدة الظَّافِرة بِشيء مِن الدَّهشة، ورأت فيهم نماذج خَلابة للفضل والعدل، فلم يَمكثوا إلا قليلاً حتى زاحموهم عليها، أجل زاحموهم عليها ونافسوهم فيها، وتمسكوا بها واعتنقوا بها، ليعملوا بها مثل أو أجل مِن أصحابها الذين نقلوها.

إنَّ الإعجاب بأخلاق الإسلام جاءت مِن تزاحم الخاصة والعامة عليه وارتضائهم له، والإعجاب لا يَنبت في النفس خَبط عشواء، أتظن العقول النَّضرة تَعجب بالعقول الرديئة؟! أتظن العقول النَّضرة تَعجب بالعقول الخرفة؟! أتظن الأخلاق الرضية تَعجب بالأخلاق الرَّديئة؟! أتظن بالمتقدم في أفكاره ومشاعره يَعجب بالمتخلف في هذه وتلك؟! لا.

إنَّ الرَّعيل الأول استحقوا أن يَتأسى النَّاس بهم، وأن يَنسجوا على مِنوالهم، وأنَّ يُقلدوهم في أقوالهم وأفعالهم، لأنهم كانوا يُمثلون في العالم نَهضة مُجددة راشدة مُسعدة، إنَّ مِن الغباء البَالغ أن تَنتظر أحداً يؤمن بك عَقِب انتصار في معركة جَدل أو انتصار في مَيدان حرب، إنَّ المقهور في أحد الميدانين قد يَستسلم راضياً أو ساخطاً، بَيد أنَّه لَن يتبعك عن إخلاص ولن يُشاركك الشعور والفكر أبداً، ومِن ثم نَرى لِزاماً علينا التَّوكيد بأنَّ القُدوة وحدها وما يَبعث على الاقتداء مِن إعزاز وإعجاب هما السَّبيل الممهدة لِنشر سماحة الإسلام في أوسع نطاق.

القدوة في التربية هي مِن أنجع الوسائل المؤثرة في إعداد الطفل خُلقياً وتَكوينه نفسياً واجتماعياً، ذَلك لأن المربي هو المثل الأعلى في نَظر الطِّفل، والأسوة الصَّالحة عنده، فَهو يُقلده سلوكياً ويُحاكيه خُلقياً مِن حيث يدري أو لا يدري، بل تَنطبع في نفسه وإحساسه صورته القولية والفعلية والحسية والمعنوية مِن حيث يشعر أو لا يشعر، ويؤكد هذه الحقيقة ما رواه الجاحظ أنَّ عُقبة بن أبي سفيان لما دَفع أولاده إلى المؤدب قال له: (لِيكن أول ما تبدأ به مِن إصلاح بَنِيَّ إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت، وعلمهم سير الحكماء وأخلاق الأدباء، وتهددهم بي وأدبهم دوني، وكُن لهم كالطبيب الذي لا يَعجل بالدَّواء حتى يَعرف الدَّاء، ولا تتكلن على عُذر مني، فإني قد اتكلت على كفاية منك).

ومِن هُنا كانت القدوة عاملاً كبيراً في صَلاح الطفل أو فساده، فإنَّ المربي إذا كان صَادقاً أميناً ذُو فِكر سليم وعَقل نظيف، فإن الطفل ينشأ نشأة سوية، وإذا كان المربي كاذباً مُنافقاً خَائناً مُتحللاً؛ فإن الطفل ينشأ نشأة معوجة، فيكون الطفل عندها شُؤماً على أسرته ومجتمعه.

وانطلاقاً مِن ذلك نجد الكاتب الفرنسي "جوزيف جوبيرت" الذي يقول: [الأطفال يَحتاجون إلى القدوة الحسنة أكثر مِن حاجتهم إلى النقاد].

هل تَدري -أيها السوري، أيها العربي- لماذا انحسرت "داعش" و "النُّصرة" وأخواتهما عن سورية والعراق؟! ولماذا أصبحت هذه القطعان في حالة جزر بعد أن كانت في حالة مَدّ؟! ولماذا انطفئ بَريقها وأخمد لهيبها مع أنَّ هذه القطعان كانت تَستظل وتتستر تحت عباءة الإسلام؟! وإننا نقول بكل جُرأة وصراحة: إنَّ هذه القطعان فَشلت في امتلاك قلوب الناس، فأخلاقهم الرديئة وقلوبهم العفنة وعقولهم المنتنة وفطرتهم المشوهة التي كانوا يُخفونها تحت عباءة الإسلام قد فاح نَتنها، فكان هذا النَّتن سَبباً في اشمئزاز الناس ونفورهم منهم، إنَّ هذه القطعان كانت قُدوة نَتِنَة رَديئة، وأنَّى لهذه القدوة أن تجد لها مَكاناً في النُّفوس الطَّيبة الطَّاهرة والعقول النَّضرة.

معاشر السادة: الأسوة الحسنة هي ما جاء به الدين، وهي ما أكد عليه هذا الدِّين، وإنَّ النَّبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم كان أسوة حسنة للمؤمن وللمسلم ولغيره في كل شيء، فالنَّبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى الله بحاله قبل المقال، والمسلمون الفاتحون فتحوا البلاد بأحوالهم قبل مقالهم، والمسلم اليوم حتى يُعطي صُورة حَقيقة عن الإسلام وحتى يَكون قُدوة صَالحة لِغيره مِن الناس ينبغي هو أن يَدعو إلى الله عز وجل بحاله قبل مقاله، يَنبغي أن يَكون أسوة وقدوة حَسنة للأمة وللإنسانية جمعاء.

إنَّ "داعش" و "النصرة" وغيرهما مِن الفصائل المسلحة شَوَّهوا الإسلام مع الأسف، كم ادعوا أنَّهم يَسيرون على منهج النبوة الرحيم، لكن عملهم ومَنهجهم كان دموياً، كم ادعوا أنَّهم يَسيرون على الأخلاق والفضائل والمبادئ والشَّمائل الجليلة، ولكنهم كانوا يتمثلون بالأخلاق الذميمة، وكانوا يفعلون الأشياء التي تهز عرش الرحمن، والتي تُنفر الناس منهم.

إنَّ هذه الفصائل المسلحة التي صَنعتها أَمريكا ودَعمتها أمريكا ودَعمها الخونة للإسلام وللمسيحية وللإنسانية جمعاء كانت وظيفة هذه الفصائل وظيفة "داعش" و "النصرة" وغيرهما هي تَشويه الإسلام، فالمسلم الحق والمؤمن الحق هو الذي يتأسى بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يسير على نهجه المستقيم، وعلى نهجه القويم.

وإنَّ انتصارات الجيش العربي السوري اليوم التي تَتحقق في مدينة أو في مُحافظة دَرعا الحبيبة نَجد لها الأثر الكبير في سَحق أولئك العقول التي تَغذت مِن الفكر الدموي، والتي نشأت وتربت على الفكر الدموي، والتي نَشأت على تعاليم الماسوني اليهودي الصهيوني، هذه الانتصارات التي تتحقق اليوم تُريح الأمة وتُريح الإنسانية مِن هذا الفكر الظلامي الذي ضرب بلادنا وضرب منطقة الشرق الأوسط، وإنَّ رِجال المصالحة الوطنية في درعا الحبيبة وغيرهما مِن المناطق يَعملون بكل ما أوتوا ويَبذلون جُهودهم، لكي يَصونوا الدماء ولكي يردوا العقول الشاردة إلى الطريق المستقيم وإلى الحق القويم، وكم قَدَّم رِجال المصالحة الوطنية في درعا الحبيبة وغيرهما مِن المحافظات في هذا الوطن مِن دِماء، خُطف منهم الكثيرون، وقُتل منهم الكثيرون، ومع ذلك لم يتراجعوا، صبروا وتحملوا حتى يؤدوا الرسالة التي طلبها الله منهم، وهي حقن الدم، وهي جمع الشمل، فبالمصالحات الوطنية وبالكلمة الطيبة وبجانب البندقية نُطهر أرض هذا الوطن الحبيب مِن براثن الإرهاب والإجرام والغدر والعدوان.

هُنا في الجمهورية العربية السورية نَتمثل بالقيم، نَتمثل بالأخلاق، نحتذي بمنهج النبوة الذي رسمه لنا ربنا، والذي دعانا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

طُوبى لِمَن عَمل صالحاً وتزود صالحاً، وطوبى لِمَن يَزرع خيراً، فإنه مَن زَرع خيراً يَحصد يوم القيامة خيراً، ومَن زرع شوكاً فإنه لا يَجني مِن الشوك العنب.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

 

 

الخطـــــــــــــــبة الثانيــــــــــــــــــــــــــة:

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله, اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله اتقوا الله، واعلموا أنكم ملاقوه، وأن الله غير غافل عنكم ولا ساه.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحمنا فإنك بنا رحيم ولا تعذبنا فإنك علينا قدير، اللهم ارحمنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً.

اللهم إنا نسألك أن تنصرَ رِجالك رجال الجيش العربي السوري, وأن تكون لهم مُعيناً وناصراً في السهول والجبال والوديان, وأن تُثبت الأرض تحت أقدامهم، وأن تُسدد أهدافهم ورميهم يا رب العالمين، اللهم وَفِّق القائد المؤمن والجندي الأول بشار الأسد إلى ما فيه خير البلاد والعباد، وخُذ بيده إلى ما تحبه وترضاه، )سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(.

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 237
تحميل ملفات

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

أدخل الرمز : *