الأحد 28 رمضان 1442 - 09 مايو 2021 , آخر تحديث : 2021-04-14 14:43:41 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

منابر دمشق

تاريخ النشر 2017-11-19 الساعة 09:08:55
وقفات مع آيات
الدكتور الشيخ محمد خير الشعال

قال الله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف:204].

وقال الله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ الله وَ

أُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزُّمر:18].

وقال الله تعالى لسيِّدنا موسى: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} [طه:13].

في الآيات الثَّلاث لم يقل الله تعالى: اسمع، أو اسمعوا، أو يسمعون؛ ولكن قال: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ}، {يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ}، {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى}.

والاستماع: الانتباه، وحضور العقل والقلب في السمع.

قال وَهْب بن مُنَبِّه: (من أدب الاستماع سكونُ الجوارح، وغضَّ البصر، والإصغاء بالسَّمع، وحضور العقل، والعزمُ على العمل)، وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى.

وقال سفيان بن عينية: (أوَّل العلم الاستماع، ثمَّ الفهم، ثمَّ الحفظ، ثمَّ العمل، ثمَّ النَّشر).

عنوان خطبة اليوم: وقفاتٌ مع آيات

أقرأُ عليكم آيةً من كتاب الله تعالى، فيها أربعُ وِقفات.

قال الله تعالى في سورة الكهف الآية الثامنة والعشرين: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ

يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ

الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28].

سبب نزول الآية على ما ذكره المفسرون عن سلمان الفارسي رضي الله عنه: أنّ المؤلّفة قلوبِهم جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم: عيينة بن حصن، والأقرع

بن حابس، وذووهم، فقالوا: يا رسول الله: لو أنك جلست في صدر المجلس، ونحَّيت هؤلاء عنّا، - يعنون سليمان وأبا ذَرٍّ وفقراءَ المسلمين، جلسنا إِليك، وأخذنا عنك،

فنزلت هذه الآية، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلّم يلتمسهم، حتى إِذا أصابهم

في مؤخَّر المسجد يذكرون الله، قال: «الحمد لله الذي لم يُمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمَّتي، معكم المحيا ومعكم الممات».

وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أُمية بن خلف الجمحي، دعا

رسول الله صلى الله عليه وسلّم إِلى طرد الفقراء عنه، وتقريبِ صناديد أهل مكة،

فنزلت هذه الآية.

والآية وإن نزلت في هؤلاء وهؤلاء إلا أن العلماء متفقون أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب والآية تدعو إلى ملازمة أهل الصلاح والرشاد وذكر الله وهجر أهل السوء والفساد والغفلة.

أما الوقفات الأربع:

 فأولها: عند قوله {واصبر نفسك}، والصبر هو حبس النفس على ما تكره، ومعلوم

أن المرء يحب مجالسة أصحابه ولا يكرهها، ولكن التعبير القرآني جاء بقول واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم... لأن النفس حرون تكره مجالسة أهل الرشاد والصلاح


إذ إنهم يأمرونها بالخير وينهونها عن المنكر، يدعونها إلى الآداب الرفيعة والأخلاق العالية، يزجرونها إن أخطأت ويحثونها على الخير إن أحسنت.

بينما تحب النفس مجالسة أهل الشهوات والضلالات إذ تأكل معهم فلا تشبع وتضحك معهم فلا تقنع وتلعب معهم وترتع.

جَاءَ معلّمُ سَرِيٍّ السَّقَطِيِّ إليه فَرَأَى عِنْدَهُ جَمَاعَةً – يبدو أنهم ممن يضيعون الأوقات

ولا يراعون الحرمات، فنهره وَقَالَ: صِرْت مُنَاخَ الْبَطَّالِينَ، ثُمَّ مَضَى وَلَمْ يَجْلِسْ.

فتخبرنا الآية عن صعوبة صحبة الصالحين وتدعونا إلى الصبر معهم، إذ لولا الصبر على المعلم لبقي الجاهل على جهله ولولا الصبر على المؤدب لبقي الأرعن على

رعونته ولولا الصبر على العمل لبقي الكسول على كسله، وإن في الصبر على

ما تكره خيرا كثيرا. ولله در الشافعي إذ قال:

اصبر على مر الجفا من معلم

فإن رسوب العلم في نفراته

ومن لم يذق مر التعلم ساعة

تجرع ذل الجهل طول حياته

وذات الفتى والله بالعلم والتقى

إذا لم يكونا؛ فلا اعتبار لذاته

 

أما الوقفة الثانية في الآية: فهي عند قوله تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا...}

إذ لا يكفي أن تصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بل عليك أن تجمع إلى ذلك هجرَ

من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه.

فلا يكفي أن تصحب الصالحين بل لا بد أن تضم إلى ذلك هجران الطالحين.

جاء في كتاب روضة العقلاء: (العاقل يلزم صحبة الأخيار ويفارق صحبة الأشرار؛

لأن مودة الأخيار سريع اتصالها بطيء انقطاعها ومودة الأشرار سريع انقطاعها

بطيء اتصالها، وصحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار، ومن خادن الأشرار لم يسلم من الدخول في جملتهم).

وإن ما يفيده المرء من صحبة أهل الفضيلة يضيعه عند صحبة أهل الرذيلة، و

ما يبنيه مع أهل الخير يهدمه له أهل الشر.

ولئن كان بعض الناس يصاحبون أهل الخير وأهل الفجور معاً يقولون هؤلاء

ينفعوننا للدنيا وهؤلاء ينفعوننا للآخرة؛ فإن القرآن أمرنا أن نصبر أنفسنا مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ونهانا أن نطيع أضدادهم ولا تطع من

أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا.

أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى

الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا مَثَلُ الجليس الصالحُ والجليسُ السوءِ كحامِلِ المسك،

ونافخِ الكِيْرِ، فحاملُ المسك: إِما أن يُحْذِيَكَ، وإِما أن تبتاع منه، وإِمَّا أن تجِدَ منه

ريحاً طيِّبة، ونافخُ الكير: إِما أن يَحرقَ ثِيَابَكَ، وإِما أن تجد منه ريحاً خبيثَة».

وأما الوقفة الثالثة: فهي عند المخاطب في الآية، فالآية خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولجميع أمته من بعده، إذ قرر المفسرون والسادة الحنفية والحنابلة أن الخطاب الخاص برسول الله صلى الله عليه وسلم خطاب لأمته مالم يخصصه الدليل.

فقد خوطب أصلح الخلق ورأس الصالحين وسيد الأولين والآخرين في هذه الآية

بأن يصحب الصالحين ويهجر الفاجرين، وهل ثمة أصلح من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

وهل يستطيع أحد من أهل الشر أن يؤثر على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

لكن الله تعالى وجه له صلى الله عليه وسلم الخطاب ولجميع أمته من بعده حتى

لا يقول قائل منا أنا وإن جالست الفجار لكنهم لا يؤثرون بي، وأنا وإن لم أجالس الأخيار لكنني أستطيع أن أمضي وحدي في درب الله.

فلا يدخلنّ الشيطان عليك بمدخلٍ أنك كبير ناضج لا تتأثر بأهل الشر فقد خطب من

هو خير منك {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا}.

أما الوقفة الرابعة الأخيرة: في الآية فهي عند قوله تعالى: {أغفلنا قلبه}

فالقلوب نوعان قلوب غافلة وذاكرة:

{لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} إنها القلوب الغافلة.

{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] إنها القلوب الذاكرة.

الغفلة: سهو يعتري الإنسان مِن قلَّة التَّحفُّظ والتَّيقُّظ، يقال: أرض غُفْل، يعني: لا منار فيها يهتدي به السَّالك.

ورد ذِكْرُ الغفلة في القرآن الكريم خمسةً وثلاثين مرة، كلها في معرض الذم، والغفلة عن الله تعالى رأس الخطايا، وهي التي تزيد الحسرة والندامة، وتزيل النِّعمة، ولا أَضَر على العبد من أمرين: غفلته عن الله تعالى، ومخالفته لأوامر الله تعالى.

قال الإمام الجنيد: (تأملت في ذنوب أهل الإسلام، فلم أرَ منها ذنباً أعظم من الغفلة

عن الله).

حُكي أنَّ أحد الصَّالحين رأى شيخه في المنام، فسأله: أي الحسرة أعظم عندكم في الآخرة؟ قال: حسرة الغفلة.

- كانا طالبَين جامعيين من كليتين مختلفتين، جمعت بينهما المطاعم والمقاهي، دعته بمعسول كلامها وجميل لباسها ولحظ عينيها لنفْسِها، أحبها وأحبته، طلبت منه الزَّواج وهو في السَّنة الثَّانية، فاعتذر لرفض والده. قالت له: ما دَخْلُ أبيك، أنت بالغ عاقل

رجل، ولا أريد  منك شيئاً إلا أن يكون جلوسنا شرعياً.

قال لها: وماذا عن أهلك؟ قالت: لا عليك أنا بالغة عاقلة، نذهب لشيخ يعقد لنا.

سألها: أين الشُّهود؟ قالت: تأتي بشاهد وأنا آتي بشاهد آخر.

ذهبَت به لرجل ادعت أنَّه شيخ، عقد لهما ودوَّنا ذلك بورقة احتفظت بها، ذهب العروسان لشقة استعارها الشَّاب، وباتا مع بعضهما، لكنَّ الشَّاب صُعِق عندما أيقن أنَّ الفتاة لم تكن بكراً بل كانت ثيباً!! صرخ بوجهها وهمّ أن يضربها!! قالت له: لا

تضرب أنت زوجي والعقد معي. إنَّها الغفلة عن الله... {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتيع هواه وكان أمره فرطا}.

وأهم أدوية معالجة الغفلة والوقاية منها صحبة الذَّاكرين وترك صحبة الغافلين؛

سأل رجلٌ معلمَه: إنَّه يجد غفلة في قلبه فما يفعل؟ قال: يا ولدي، اقترب من الأولياء

، فإنَّهم يؤثرون في القلب. وأما عن صحبة الغافلين فقد قال الله تعالى لنبيه: 

{وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28]. 

أيها الإخوة:

هذه وقفات أربع مع الآية الثامنة والعشرين من سورة الكهف. وبقي في الخطبة

سؤالان متعلقان بالصحبة:

1. أولهما هل تقتضي عدم صحبة الفساق عدم التعامل معهم؟

2. إذا لم يصحب الأبرار الفجار، فمن سيدعوهم إلى الهدى؟

أما جواب السؤال الأول فعدم صحبة الفساق لا تقتضي عدم التعامل معهم، فالمرء

ربما احتاج أن يعامل البر والفاجر، بيعاً وشراءً أخذاً وعطاءً، وقد بايع رسول الله

صلى الله عليه وسلم اليهود في المدينة المنورة.

ولكن الصحبة التي تدعو إلى المحبة والمؤانسة وطول المجالسة وتأثر الروح من الروح وأخذ الطبع من الطبع هي الممنوعة، أما المعاملة الحاجية أو الضرورية فلا

بأس فيها.

وأما جواب السؤال الثاني فإن من تدرب على سباحة الإنقاذ صح منه أن ينقذ غريقاً

أو مشرفاً على الغرق، أما من لم يتدرب على سباحة الإنقاذ فالأولى به أن يعتني

بنفسه ولا يمد يده لغريق حتى لا نخسر الاثنين، وكذلك في دعوة الفجار فإن من

تدرب على دعوتهم وجذبهم لطريق الحق فليجلسهم ليدعوهم، ومن لا فلا، والله أعلم.

والحمد لله رب العالمين

 

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 964
تحميل ملفات
فيديو مصور