الأحد 17 ربيع الثاني 1441 - 15 ديسمبر 2019 , آخر تحديث : 2019-12-10 13:59:08 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

منابر دمشق

تاريخ النشر 2018-06-03 الساعة 09:03:32
العمل بالقرآن عند الصالحين
الدكتور الشيخ محمد خير الشعال

قال الله تعالى: قال الله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء:9].

وقال الله تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ الله وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر:21].

عن علي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَلاَ إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ»، فَقُلْتُ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «كِتَابُ اللهِ، فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الفَصْلُ لَيْسَ بِالهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ الله، وَمَنْ ابْتَغَى الهُدَى فِي

غَيْرِهِ أَضَلَّهُ الله، وَهُوَ حَبْلُ اللهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ

الَّذِي لاَ تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلاَ تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ، وَلاَ يَشْبَعُ مِنْهُ العُلَمَاءُ، وَلاَ يَخْلَقُ

عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا:

{إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنا عَجَبا يَهْدِي إِلى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ} [الجن:1]، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» [الترمذي والبيهقي].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ، لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ الله، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» [مالك].

أيها الإخوة:

(الصيام والقرآن يشفعان) عنوان خطب رمضان لهذا العام، تحدثت خطبتا الأسبوعين

الماضيين عن العمل بالقرآن عند النبي صلى الله عليه وسلم، والعمل بالقرآن عن الصحابة الكرام، وعنوان خطبة اليوم:

العمل بالقرآن عند الصالحين

الهدف من هذه الخطب أن ننطلق جميعاً لنتحلق حول القرآن، نعتصم به ونتمسك بأوامره ونواهيه، نحل حلاله ونحرم حرامه، نحفظه ونحفظه أبناءنا، نتلوه ونجوده ونرتله، نعيش معه وبه وله.

أيها الإخوة:

الغاية الأسمى من رسالة الله تعالى إلى بني الإنسان هي العمل بما فيها، وهذا مما لا

يختلف فيه اثنان، وما القراءة ثم التدبر والفهم إلا هدفان مرحليان للوصول إلى العمل، ليسعد الإنسان في الأرض وفي السماء.

قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 121] قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (يحلون حلاله ويحرمون حرامه ولا يحرفونه عن مواضعه) [المستدرك]،  قال الإمام القرطبي المفسر: (ألا وإن الحجة على من علمه فأغفله، أوكد منها على من قصر عنه وجهله. ومن أوتي علم القرآن فلم ينتفع، وزجرته نواهيه فلم يرتدع، وارتكب من المآثم

قبيحا،

ومن الجرائم فضوحا، كان القرآن حجة عليه، وخصما لديه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القرآن حجة لك أو عليك» [مسلم].

أيها الإخوة:

إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول المستجيبين إذا ناداه القرآن، وأول

العاملين إذا أمره القرآن. وتبعه جيل من الصحابة الكرام يعملون بالقرآن يلبونه إذا دعاهم وينفرون إذا استنفرهم، ثم تبع هؤلاء الكرام أقوام ورثوا الكتاب فكانوا كما قال

الله تعالى فيهم: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ

مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32]

وقد نقل القرطبي في تفسيرها أقوال منها: (الظالم لنفسه هو التالي للقرآن ولا يعمل

به، والمقتصد التالي للقرآن ويعمل به، والسابق القارئ للقرآن العامل به والعالم به).

فأحببت في خطبة اليوم أن أنقل لكم صوراً من العمل بالقرآن عند صالحي هذه الأمة

إذ كانوا مقتصدين وسابقين بالخيرات بإذن الله.  وهاكم أربعة مواقف يسمح بها

الوقت في بيان ذلك:

1-  الإمام مالك يركع بعد العصر مخافة عقاب القرآن:

دخل الإمام مالك رحمه الله المسجد بعد صلاة العصر، وهو ممن لا يرى الركوع بعد

العصر، فجلس ولم يركع، فقال له صبي: يا شيخ قم فاركع. فقام فركع ولم يحاجه بما يراه مذهباً، فقيل له في ذلك، فقال: خشيت أن أكون من الذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون.. قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 48، 49]

هذا، وقد كان مجلس الإمام مالك رضي الله عنه الذي يروي فيه الأحاديث في الروضة الشريفة، وَكَانَ مَجْلِسُهُ مَجْلِسَ وَقَارٍ وَحِلمٍ. لَيْسَ فِي مَجْلِسِهِ شَيْءٌ مِنَ المِرَاءِ وَاللَّغَطِ، وَلاَ يرفع فيه أحد صوته، فإذا رفع امرؤ صوته في مجلس التحديث أشار له أن اخفض صوتك أما سمعت الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [الحجرات: 2، 3]

فهاهنا يذكر الإمام مالك آية الركوع فيركع، ويسمع آية النهي عن رفع الصوت في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فينهى عن رفع الصوت في مجلس التحديث إذ الحديث النبوي الشريف هو صوت النبي صلى الله عليه وسلم.

2-  الأحنف بن قيس يبحث عن نفسه في القرآن:

روى المروزي في جزء قيام الليل وقيام رمضان عن الأحنف بن قيس أنه كان جالساً يوماً فعرضت له هذه الآية: {لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون} [الأنبياء:

10]. فانتبه فقال: علي بالمصحف، لألتمس ذكري اليوم حتى أعلم مع من أنا ومن أشبه، فنشر المصحف فمر بقوم {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون، وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} [الذاريات: 18]، ومر بقوم:

{تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون} [السجدة: 16]. ومر بقوم: {يبيتون لربهم سجدا وقياما} [الفرقان: 64]. ومر بقوم: {ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب

المحسنين} [آل عمران: 134]. ومر بقوم: {يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9]. [ص:45] ومر

بقوم: {يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون} [الشورى: 37]، {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} [الشورى: 38]. قال: فوقف ثم قال: اللهم لست أعرف نفسي ههنا.

ثم أخذ في السبيل الآخر. فمر بقوم: {إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون

أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون} [الصافات: 35]. ومر بقوم: {إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} [الزمر: 45] ومر بقوم يقال لهم {ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين} [المدثر: 42]. قال فوقف ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك من هؤلاء.

قال: فما زال يقلب الورق ويلتمس حتى وقع على هذه الآية: {وآخرون اعترفوا

بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم} [التوبة: 102] فقال: اللهم هؤلاء.

فهاهو الأحنف بن قيس يعيش مع القرآن ويبحث عن نفسه بين آياته.

3-  الشيخ أمين كفتارو يعود إلى منزله لما قيل له ارجع:

كان الشيخ محمد أمين كفتارو والد الشيخ أحمد كفتارو رحمهما الله ذا مكانة علمية وتربوية عالية، وقد حصلت بينه وبين أخيه خصومة قطعت الأخ عن أخيه وأراد

الشيخ الذي كان يسكن في حي الصالحية قرب مجمع الشيخ أحمد كفتارو اليوم

زيارة أخيه في بيته الذي كان يسكن في قرية ببيلا، ولم يكن يومها الوصول إلا سيراً على الأقدام، وحاول الابن الشيخ أحمد وكان صغيراً يومها أن يثني أباه عن الذهاب

لما يعلم من شدة حنق أخيه عليه فلم يلتفت الأب وذهب بابنه معه، وبعد مسير

 طويل وصل الشيخ أمين إلى  بيت أخيه في ببيلا وقرع عليه الباب، ولما سئل من بالباب أجاب أنه الشيخ أمين وأنه جاء ليصلح ما بينه وبين أخيه، فلما سمع أخوه

صوته ناداه أن ارجع من حيث جئت فأنا لم أدعك للمجيء، فما كان من الشيخ أمين

إلا أن ألقى السلام  وثنى وجهه منصرفا عائدا، فقال الشيخ أحمد لوالده ألا تكرر

 المحاولة للدخول عليه فقد جئنا من مكان بعيد!! فقال الشيخ أمين لولده: يا ولدي

لقد قال الله تعالى في القرآن: {وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [النور: 28] فأنا أرجع كما أمرني الله. ومضى مبتعدا عن الدار،

فما كان من أخيه إلا أن لحق به واعتنقه ورده وتجالسا وذهب ما كان بينهما.

 

4-  سفيان الثوري يمرض حين لا يعمل بالقرآن:

كان سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث وإمام الحفاظ وسيد العلماء العاملين، وكان يتمثل قول الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71] فلا يتوانى عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أي مكان وجد، قال شجاع بن الوليد: كنت أحج مع سفيان فما

يكاد لسانه يفتر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهبا وراجعا، وكان سفيان

 يتأثر في نفسه كثيرا إذا رأى منكرا ولم يستطع أن يتكلم فيقول سفيان: إني لأرى المنكر فلا أتكلم فأبولُ دما.

فهاهو أمير المؤمنين في الحديث يعمل بالآية الكريمة فإن لم يتمكن من العمل بالقرآن تألم وضاقت به نفسه وواقعه المرض.

 فياأيها الأخ الكريم:

هذا شيء من الحديث عن العمل بالقرآن عند الصالحين، فإذا قرأت القرآن تأسَّ بهم.

إذا قرأت القرآن اقرأه وكأنك تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واقرأه و

 كأنه يتنزل عليك؛ فتدبر ما يقال لك فيه وافهمه، واقتن تفسيراً لمفردات القرآن

الكريم – على أقل تقدير- فإن مرت بك كلمة لا تعرف معناها فلا تتجاوزها حتى تتبين المعنى، ثم اعزم على أن تعمل بما قرأت أو بشيء واحد على الأقل لتكون ممن عمل بالقرآن ولتكون من أهل القرآن.

قال الحسن البصري: (إن من كان قبلكم رأوا هذا القرآن رسائل إليهم من ربهم

فكانوا يتدبرونها بالليل ويعملون بها بالنهار).

ختاماً – أيها الأخ - ما المطلوب منك لتلحق بأهل القرآن؟

مطلوبٌ خمسة أمورٍ:

1-  اقرأ القرآن كل يوم، واجهد أن تحفظ ما تيسر منه، فإن حفظته كله فيا طوبى لك.

2-  احرصْ على أن تفهمَ ما تقرأ، فإن لم تفهم معاني بعض الكلمات فَعُد إلى معانيها

 في كُتب التَّفاسير، واحضر مجلساً لتفسير القرآن الكريم؛ لأنَّ القرآن نزل ليُقرأ ويُفهم

  ويُعمل به.

3-  اعملْ بشيءٍ واحدٍ -على الأقلِّ- ممَّا قرأتَهُ في كل يوم.

4-  علِّمْ غيرَكَ ما تعلمتَهُ من القرآن.

5- قدِّم خدمة للقرآن الكريم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ سَبَبٌ طَرَفُهُ بَيْدِ اللهِ تَعَالَى،

 وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا وَلَنْ تَهْلِكُوا بَعْدَهُ أَبَدًا». [أخرجه الطبراني].

والحمد لله رب العالمين

 

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 548
تحميل ملفات
فيديو مصور