السبت 03 جمادى الأولى 1439 - 20 يناير 2018 , آخر تحديث : 2018-01-18 09:47:55 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

منابر دمشق

تاريخ النشر 2018-01-09 الساعة 10:07:06
يا غياث المستغيثين أغثنا -2-
الدكتور الشيخ محمد خير الشعال

قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماء مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النَّحل:10-11].

وقال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [الشُّورى:28].

عنوان خطبة اليوم: يا غياث المستغيثين أغثنا-2-

أيها الإخوة:

سنبقى ضارعين على باب ملك الملوك نطلب منه أن يسقينا ويروي أراضينا ويملأ عيوننا وآبارنا من رفده، لأننا لا نعلم منزلا للغيث إلا هو ولا مغيثا للعباد إلا هو.

وها أنا أسوق لكم في خطبة اليوم حوادث استسقاء لجأ فيها العباد إلى باريهم

فأغاثهم وحطوا رحالهم على بابه فأدركهم.

اللهم يا غياث المستغيثين أغثنا

أخرج البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: أَصَابَتْ النَّاس سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَبَيْنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ فَادْعُ الله لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَمَا نَرَى

فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، ثمَّ

لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ صلى الله عليه وسلم فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ وَمِنْ الْغَدِ وَبَعْدَ الْغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ حتَّى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ -أَوْ

قَالَ غَيْرُهُ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ الله لَنَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: «اللهمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا» فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ السَّحَابِ إِلَّا انْفَرَجَتْ وَصَارَتْ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ وَسَالَ وَادِي قَنَاة شَهْرًا وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ. – الجوبة الموضع المنخفض من الأرض-.

اللهم يا غياث المستغيثين أغثنا.

    أخرج الطبري في تاريخه: صابت الناس في إمارة عمر رضي اللَّه عنه سنة

بالمدينة وما حولها، فكانت تسفى إذا ريحت ترابا كالرماد، فسمي ذلك العام عام

الرمادة، فآلى عمر ألا يذوق سمناً ولا لبناً ولا لحماً، فقدمت السوق عكة من سمن ووطب من لبن، فاشتراهما غلام لعمر بأربعين، ثم أتى عمر، فقال عمر: أغليت بهما، فتصدق بهما،...كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسسني ما مسهم!

وأري رجل من مزينة فيما يرى النائم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه، فقال: أبشر بالحيا!

ائت عمر فأقرئه مني السلام، وقل له: إن عهدي بك وأنت وفي العهد، شديد العقد، فالكيس الكيس يا عمر!

فجاء حتى أتى باب عمر، فقال لغلامه: استاذن لرسول رسول الله صلى الله عليه

وسلم، فأتى عمر فأخبره، ففزع وقال: رأيت به مسا! قال: لا، قال: فأدخله، فدخل فأخبره الخبر، فخرج فنادى في الناس، وصعد المنبر، وقال: أنشدكم بالذي هداكم

للإسلام، هل رأيتم مني شيئا تكرهونه! قالوا: اللهم لا، قالوا: ولم ذاك؟ فأخبرهم،

ففطنوا ولم يفطن، فقالوا: إنما استبطأك في الاستسقاء، فاستسق بنا، فنادى في الناس، فقام فخطب فأوجز، ثم صلى ركعتين فأوجز، ثم قال:

اللهم عجزت عنا أنصارنا، وعجز عنا حولنا وقوتنا، وعجزت عنا أنفسنا،

ولا حول ولا قوة إلا بك، اللهم فاسقنا، وأحي العباد والبلاد!

قال: فمطروا.

اللهم يا غياث المستغيثين أغثنا.

 جاء في تاريخ الإسلام للذهبي في ترجمة الإمام أبي عبد الله الفِرْيابيّ، من وفيات

212 ه قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: لقيته بمكّة، وكان رجلًا صالحًا، وقال

البخاريّ: كان من أفضل أهل زمانه.

قال محمد بْن سهل بْن عسكر: خرجت مَعَ الفِرْيابيّ في الاستسقاء، فَرَفَعَ يديه فما أرسلهما حتّى مُطِرْنا. قال له أحمد بْن يوسف السُّلميّ: أوصِني. قَالَ: عليك بتقوى اللَّه، ولزوم السُّنَّةِ.

اللهم يا غياث المستغيثين أغثنا.

    وفي ترجمة الأمير الأندلسي عبد الرحمن الناصر لدين الله أبي المطرف قال

 الذهبي: بقي فِي الإمرة خمسين سنة، وكان كَلِفًا بعمارة بلاده، وإقامة معالمها.

استفرغ الوسعَ فِي إتقان قصور الزهراء وزخرفتها. وكان عبد الرحمن يرجع إلى

دين متين وحسن خلق. وكان فِيهِ دُعابة.. وقد أصاب الناس قحط في زمانه، فأرسل رسولا للقاضي منذر بْن سعَيِد، يحركه للخروج بالناس لاستسقاء. 

فقال القاضي للرسول: يا ليت شِعْري ما الَّذِي يصنعه الأمير؟

فقال: ما رَأَيْته أخشع للَّه منه فِي يومنا هذا، وإنّه منفرد بنفسه، لابس أخشن ثيابه،

يبكي ويعترف بذنوبه، وهو يَقُولُ: هذه ناصيتي بيدك، أتراك تعُذّب الرّعيّة من أجلي وأنت أحكم الحاكمين، لن يفوتك شيء منّي.

فتهلّل وجه القاضي لمّا بلغه هذا، وقال: يا غلام أحمل الممْطَر معك، فقد أذِن اللَّه

بسُقْيانا. إذا خشع جبار الأرض رحم جبّار السّماء.

فخرج وجاء الناس إلى محل الاستسقاء وصعد القاضي منذر بن سعيد المنبر والناس ينظرون إليه ويسمعون ما يَقُولُ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ كَانَ أَوَّلَ مَا خاطبهم به قَالَ: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الانعام: 54]

ثم أعادها مراراً فَأَخَذَ النَّاسُ فِي الْبُكَاءِ وَالنَّحِيبِ وَالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ

حَتَّى سُقُوا وَرَجَعُوا يَخُوضُونَ الماء.

وكان كما قَالَ.

اللهم يا غياث المستغيثين أغثنا.

 

    جاء في كتاب مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان،

لعفيف الدين عبد الله بن أسعد اليافعي في حوادث سنة 637: فيها توفي الشيخ

العارف الصالح أبو العباس أحمد بن علي القسطلاني الفقيه المالكي الملقب بزاهد

مصر، تفقه ودرس بمصر، ثم جاور بمكة وتوفي بها.

وذكروا أنهم احتاجوا في المدينة الشريفة إلى الاستسقاء، وهو بها مجاور، فاتفق

رأيهم أن يستسقي أهل مكة يوماً والمجاورون يوماً، وبدأ أهل مكة بالاستسقاء، فلم يسقوا، فعمل هو طعاماً كثيرًا للضعفاء والمساكين، واستسقى مع المجاورين، فسقوا.

اللهم يا غياث المستغيثين أغثنا.

     وجاء في كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، لشهاب الدين أحمد بن

خالد السلاوي قال:

 وَفِي سنة إِحْدَى عشرَة وَسَبْعمائة كَانَ الْقَحْط بالمغرب فَاسْتَسْقَى النَّاس وَخرج

السُّلْطَان أَبُو سعيد مَاشِيا على قَدَمَيْهِ لإِقَامَة سنة الاسْتِسْقَاء وَذَلِكَ يَوْم الْأَرْبَعَاء الرَّابِع وَالْعِشْرين من شعْبَان من السّنة الْمَذْكُور وَتَقَدَّمت أَمَامه الصلحاء وَالْفُقَهَاء والقراء

 يدعونَ الله تَعَالَى وَقدم بَين يَدي نَجوَاهُ صدقَات وَفرق أَمْوَالًا فرحم الله تَعَالَى عباده وغاث أرضه وبلاده.

اللهم يا غياث المستغيثين أغثنا.

أيها الإخوة:

أهمُّ سبب نستمطرُ به غيثَ السَّماء، ويجنِّبُنا الله تعالى به القحطَ والجفافَ والتَّصحُّرَ والغلاءَ والوباءَ وزيادة الفقر وتفشي الجرائم: التَّوبةُ وردُّ المظالم إلى أهلها.

فإن الإصرار على الذنب من دون توبة وإن الاعتداء على دماء الناس وأموالهم وأعراضهم من أهم أسباب القحط.

كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء: اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً مريعاً، نافعاً غير ضار، عاجلا غير آجل.

 اللهم اسق بلادك، وارحم عبادك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت.

اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك. اللهم اجعله صيبا نافعاً.

والحمد لله رب العالمين

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 50
تحميل ملفات
فيديو مصور