الثلاثاء 08 رمضان 1442 - 20 أبريل 2021 , آخر تحديث : 2021-04-14 14:43:41 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

منابر دمشق

تاريخ النشر 2016-11-13 الساعة 10:07:33
الحكم الشرعي لعمليات التجميل
الدكتور الشيخ محمد خير الشعال

 

قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } [الأنعام 162].

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الشورى 47].

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْء فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [مُتَّفَقٌ عَلَيهِ].

عَنْ أَبي هريرةَ رضي الله عنه: أنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كُلُّ أُمَّتِي

يَدخُلُونَ الجَنَّةَ إلاَّ مَنْ أبَى » قيلَ: وَمَنْ يَأبَى يَا رَسُول الله؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أبَى» [البخاري].

عنوان خطبة اليوم: الحكم الشرعي لعمليات التجميل

أيها الإخوة:

حبُّ الجمال أمرٌ فطريٌّ أودعه اللهُ في قلوب عباده، وحثّهم على ما يقتضيه ذلك

{يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 31، 32]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله جميل يحب الجمال» [مسلم].

وفي حديث الأقرع والأبرص والأعمى الذي رواه الشيخان، أنّ الملكَ مسحَ على

الأبرص وأبدلَه بجلده جلداً حسناً ولوناً حسناً، ومسحَ على الأقرع فأعطي شعراً حسناً، وكأنّ فيه دلالة على أنّ تصحيحَ لون الجلد الأبرص وإعادةِ الشعر إلى الرأس الأقرع مرغوب ومشروع.

فالمحافظة على الجمال ورعايته أمر دعا له الشارع، ولكن الشرع الحنيف لم يطلق العنان للغرائز والشهوات لتعبث فساداً في خلق الله، بل ضبطها بضوابط حكيمة تحقق المصلحة ولا توقع الناس في المفسدة.

واعلموا أيّها الإخوة أنه يمكننا تقسيم عمليات التجميل إلى نوعين رئيسين: عمليات تجميل علاجية، وعمليات تجميل تحسينية.

 عمليات تجميل علاجية: تهدف إلى إصلاح خلل في عضو أو رفع شذوذ فيه نتيجة

تشوه ولادي أو طارئ جراء الحوادث ونحوها، كعمليات تجميل شق الشفة الولادي

(شفة الأرنب)، وعمليات ترقيع الجلد المتهتك نتيجة الحروق، وفصل الأصابع الملتصقة.

وعمليات تجميل تحسينية: تهدف على تحسين شكل أعضاء الإنسان الظاهرة السليمة لتأخذ شكلاً آخر سواء كانت لإخفاء آثار التقدم في العمر أو لموافقة معايير الجمال العالمية أو الشخصية.

فما حكم الشريعة الإسلامية في كلً من العمليتين العلاجية أو التحسينية؟!

ما حكم الشرع في شدّ الوجه أو تقشيره؟ وما حكم تجميل الوجه بالحقن سواء كانت

 من الدهون أو الكولاجين أو السيليكون أو البوتوكس أو السوفت فورم؟ ما حكم تجميل

الذقن أو الشفاه أو العين أو الأنف أو الحواجب؟ وما حكم شفط الدهون جراحياً أو بالليزر أو عن طريق أنبوب الشفط؟ وما حكم زرع الشعر؟ وما حكم تجميل أعضاء الجسم الأخرى؟

 

 ناقش مجمع الفقه الإسلامي الدولي هذه القضية في دورته الثامنة عشرة عام

2007، وبعد استعراضه للبحوث الطبية والفقهية المقدمة، أصدر قراره بهذا الشأن، ومما جاء فيه:

 أولاً: جراحة التجميل هي تلك الجراحة التي تُعنى بتحسين وتعديل شكل جزء

 أو أجزاء من الجسم البشري الظاهرة أو إعادة وظيفته إذا طرأ عليه خلل مؤثر.

 ثانياً: يجوز شرعاً إجراء الجراحة التجميلية الضرورية والحاجية التي يقصد منها:

1-  إعادة شكل أعضاء الجسم إلى الحالة التي خُلق الإنسانُ عليها لقوله سبحانه:

   {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4].

2-       إعادة الوظيفة المعهودة لأعضاء الجسم.

3-  إصلاح العيوب الطارئة الكسبية من آثار الحروق والحوادث والأمراض وغيرها

  : مثل زراعة الجلد وترقيعه وإعادة تشكيل الثدي كلياً أو جزئياً إذا أدى لحالة

  مرضية وزراعة الشعر حال سقوطه خاصة للمرأة.

4-  إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسياً أو عضوياً.

 ثالثاً: لا يجوز إجراء جراحة التجميل التحسينية التي لا تدخل في العلاج الطبي،

ويقصد منها تغيير خلقة الإنسان السوية تبعاً للهوى والرغبات بالتقليد للآخرين، مثل عمليات تغيير شكل الوجه للظهور بمظهر معين، أو بقصد التدليس وتضليل العدالة، وتغيير شكل الأنف، وتكبير أو تصغير الشفاه، وتغيير شكل العينين، وتكبير الوجنات.

رابعاً: يجوز تقليل الوزن (التنحيف) بالوسائل العلمية المعتمدة ومنها الجراحة (شفط الدهون) إذا كان الوزن يُشكل حالة مرضية ولم تكن هناك وسيلة غير الجراحة بشرط أمن الضرر.

خامساً: لا يجوز إزالة التجاعيد بالجراحة أو الحقن مالم تكن الحالة مرضية، شريطة أمن الضرر.

سادساً: على الطبيب المختص أن يلتزم بالقواعد الشرعية في أعماله الطبية، وأن ينصح لطالبي جراحة التجميل، فالدين النصيحة. انتهى.

فالنتيجة أنّ عملياتِ التجميل العلاجية جائزةٌ لأنّها ضرورية وحاجية، أما العمليات التحسينية التي لا تحوي علاجاً عضوياً أو نفسياً فغير جائزة.

وإذا قلنا غير جائزة؛ فلا يجوز للمريض طلب إجرائها من الطبيب، ولا يجوز للطبيب

المسلم الملتزم بأمر الشرع أنْ يجريَها للمريض، ولو طلب المريض إليه ذلك، كما لا

يجوز للكادر الطبي الإعانة عليها؛ لأن الله تعالى يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] ومخالفة حكم الشرع في مسألة إنما هو من الإثم والعدوان.

يقول الدكتور محمد الشنقيطي في كتابه أحكام الجراحة الطبية -رسالة دكتوراه-:

(في جراحة التجميل التحسينية تحسين المظهر، وتجديد الشباب.

هذا النوع من الجراحة لا يشتمل على دوافع ضرورية، ولا حاجية، بل غاية ما فيه

 تغيير خلقة الله تعالى، والعبث بها حسب أهواء الناس، وشهواتهم، فهو غير مشروع، ولا يجوز فعله، وذلك لما يأتي:

لقوله تعالى حكاية عن إبليس لعنه الله: {...وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 119] وجراحة التجميل التحسينية تشتمل على تغيير خلقة الله، والعبث فيها حسب الأهواء والرغبات، فهي داخلة في المذموم شرعاً.

 ولحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلعن المتنمصات والمتفلجات للحسن اللآتي يغيرن خلق الله».

فالحديث دل على لعن من فعل هذه الأشياء، وعلل ذلك بتغيير الخلقة، وفي رواية:

«والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله» فجمع بين تغيير الخلقة وطلب الحسن،

وهذان المعنيان موجودان في الجراحة التجميلية التحسينية؛ لأنها تغيير للخلقة بقصد الزيادة في الحسن، فتعتبر داخلة في هذا الوعيد الشديد ولا يجوز فعلها.

ولأنّ هذه الجراحة تتضمن في عدد من صورها الغش والتدليس، وهو محرم شرعاً،

 ففيها إعادة صورة الشباب للكهل، والمسن في وجهه وجسده، وذلك مفض للوقوع

 في المحظور من غش الأزواج من قبل النساء اللاتي يفعلن ذلك، وغش الزوجات من قبل الرجال اللذين يفعلون ذلك.

كما لا تخلو هذه الجراحة من الأضرار والمضاعفات التي تنشأ عنها.

وبناءً على ما سبق من الأدلة النقلية والعقلية، ونظراً لما يتضمنه هذا النوع من

الجراحة من العبث بخلق الله من دون وجود ضرورة أو حاجة داعية إلى ذلك، فإنه

يحرم فعله والإقدام عليه من قبل الطبيب الجراح والشخص الطالب، وتعتبر الدوافع

التي يعتذر بها من يفعله من كون الشخص يتألم نفسياً بسبب عدم تلبية رغبته بفعل هذا النوع من الجراحة غير كافية في الترخيص له بفعله.

وتعتذر طائفة عن هذا النوع من عمليات التجميل بعدم بلوغهم لأهدافهم المنشودة في الحياة بسبب عدم اكتمال جمالهم.

والحق أنّ علاجَ هذه الأوهام والوساوس إنما هو بغرس الإيمان في القلوب، وزرع الرضا عن الله تعالى  فيما قسمه من الجمال والصورة.

وليعلم المرء أنّ المظاهر ليستْ هي الوسيلة لبلوغ الأهداف والغايات النبيلة، وإنما يدرك ذلك بعد توفيق الله تعالى باكتسابه العلم النافع والعمل الصالح والخلق النبيل).

أيها الإخوة:

مهما يكن من أمر في حياة المسلم فهو يتطلع فيه إلى أمر الله ورسوله، فإن رضيا رضي وإن نهيا انتهى،

ملتزماً أمر الله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92]

 

والحمد لله رب العالمين

 

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 1129
تحميل ملفات
فيديو مصور